ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )
45
المسالك والممالك ( ط مصر )
ذلك الماء حماماتهم ومياضىء لهم ، والغور أوله هذه البحيرة ، ثم يمتد على بيسان حتى ينتهى إلى زغر وريحا إلى البحيرة الميّتة ، والغور ما بين جبلين غائر في الأرض جدا ، وبه عيون وأنهار ونخيل ، ولا تستقر به الثلوج ، وبعض « 1 » الغور من حدّ الأردنّ إلى أن تجاوز بيسان ، فإذا جاوزته كان من حدّ فلسطين ، وهذا البطن إذا امتدّ فيه السائر أداه إلى أيلة ؛ وصور بلد من أحصن الحصون التي على شط البحر ، عامرة خصبة ، ويقال إنه أقدم بلد بالساحل ، وإنّ عامة حكماء اليونان منها ، وبالأردنّ كان مسكن يعقوب النبي عليه السلام ، وجب يوسف عليه السلام « 2 » على اثنى عشر ميلا من طبريّة ، على ما يلي دمشق ومياه طبريّة من البحيرة . وأما جند دمشق فإنّ قصبتها مدينة دمشق ، وهي أجلّ « 3 » مدينة بالشام كلها ، وهي في أرض واسعة بين جبال تحيط « 4 » بها مياه كثيرة وأشجار وزروع متصلة ، وتسمى تلك البقعة الغوطة ، عرضها مرحلة في مرحلتين ، ليس بالمغرب مكان أنزه منه ، ومخرج مائها من تحت كنيسة يقال لها الفيجة ، وأول ما يخرج مقداره ارتفاع ذراع في عرض باع ، ثم يجرى في شعب تتفجّر فيها العيون ، فيأخذ منه نهر عظيم أجراه يزيد بن معاوية ، يعرض في كثير ثم يستنبط منه نهر المزّة ونهر القنوات ، ويظهر عند الخروج من الشّعب بموضع يقال له النّيرب ، ويقال إنه المكان الذي قال اللّه فيه ( وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ « 5 » ثم يبقى من هذا الماء عمود النهر فيسمى بردى ، وعليه قنطرة في وسط مدينة دمشق ، لا يعبره الراكب غزارة وكثرة ، فيفضى إلى قرى الغوطة ، ويجرى الماء في عامّة دورهم وسككهم وحمّاماتهم ، وبها مسجد ليس في الإسلام مسجد أحسن ولا أكثر نفقة منه ، وأمّا الجدار والقبّة التي فوق المحراب عند المقصورة فمن بناء الصابئين ، وكان مصلاهم ثم صار في أيدي اليونانيين ، فكانوا يعظمون فيه دينهم ، ثم صار لليهود وملوك من عبدة الأوثان ، فقتل في ذلك الزمان يحيى بن زكريا عليه السلام ، ونصب رأسه على باب هذا المسجد ، بباب يسمى جيرون ، ثم تغلّب عليه النصارى فصار في أيديهم كنيسة ، يعظمون فيها دينهم ، حتى جاء الإسلام فصار للمسلمين واتخذوه مسجدا ، وعلى باب جيرون حيث نصب رأس يحيى بن زكرياء نصب رأس الحسين بن علي عليهما السلام « 6 » ، فلما كان في أيام الوليد بن عبد الملك عمره فجعل أرضه رخاما مفروشا ، وجعل وجه جدرانه رخاما مجزّعا ، وأساطينه رخاما موشّى ، ومعاقد رؤوس أساطينه ذهبا ، ومحرابه ذهبا « 7 » مرصعا بالجواهر ، ودور السقف كله ذهبا مكتبا ، كما تطوف ترابيع جدار المسجد ، يقال إنه أنفق فيه وحده خراج الشام ، وسطحه رصاص ، وسقفه خشب مذهب ، يدور الماء على رقعة المسجد ، حتى
--> ( 1 ) في ب ح حدّ . ( 2 ) الزيادة من ا . ( 3 ) في ا من أجلّ . ( 4 ) في ا تحتفّ . ( 5 ) المؤمنون آية 50 . ( 6 ) في ب رضى اللّه عنهما ، والفرق في التعبير يدل على أن هذا سنىّ والآخرون يتشيعون لأن هذه عادتهم في التعبير . ( 7 ) في ا بذهب مرصع .